مناع القطان
265
مباحث في علوم القرآن
وأمثالها ، وطاوعهم البيان في أساليب ساحرة ، حقيقية ومجازا ، ايجازا وإطنابا ، حديثا ومقالا ، وكلما ارتفعت اللغة وتسامت ، وقفت على أعتاب لغة القرآن في اعجازه اللغوي كسيرة صاغرة ، تنحني أمام أسلوبه إجلالا وخشية ، وما عهد تاريخ العربية حقبة من أحقاب التاريخ . ازدهرت فيها اللغة إلا وتطامن أعلامها وأساتذتها أمام البيان القرآني اعترافا بسموه ، وإدراكا لأسراره ، ولا عجب « فتلك سنة اللّه في آياته التي يصنعها بيديه ، لا يزيدك العلم بها والوقوف على أسرارها إلا إذعانا لعظمتها ، وثقة بالعجز عنها ، ولا كذلك صناعات الخلق ، فإن فضل العلم بها يمكّنك منها ويفتح لك الطريق إلى الزيادة عليها ، ومن هنا كان سحرة فرعون هم أول المؤمنين برب موسى وهارون » « 1 » والذين تملكهم الغرور ، وأصابتهم لوثة الإعجاب بالنفس ، وحاولوا التطاول على أسلوب القرآن ، حاكوه بكلام فارغ . أشبه بالسخف والتفاهة والهذيان والعبث ، وارتدوا على أعقابهم خاسرين ، كالمتنبئين وأشباه المتنبئين ، من الدجالين والمغرورين . وقد شهد التاريخ فرسانا للعربية خاضوا غمارها وأحرزوا قصب السبق فيها ، فما استطاع أحد منهم أن تحدثه نفسه بمعارضة القرآن . إلا باء بالخزي والهوان ، بل إن التاريخ سجل هذا العجز على اللغة ، في أزهى عصورها ، وأرقى أدوارها ، حين نزل هذا القرآن ، وقد بلغت العربية أشدها ، وتوافرت لها عناصر الكمال والتهذيب في المجامع العربية وأسواقها ، ووقف القرآن من أصحاب هذه اللغة موقف التحدي . في صور شتى ، متنزلا معهم إلى الأخف من عشر سور إلى سورة إلى حديث مثله ، فما استطاع أحد أن يباريه أو يجاريه منهم ، وهم أهل الأنفة والعزة والإباء . ولو وجدوا قدرة على محاكاة شيء منه ، أو وجدوا ثغرة فيه . لما ركبوا المركب الصعب أمام هذا التحدي ، بإشهار السيوف ، بعد أن عجز البيان ، وتحطمت الأقلام . وتتابعت القرون لدى أهل العربية ، وظل الإعجاز القرآني اللغوي راسخا
--> ( 1 ) النبأ العظيم ، صفحة 81 .